شبهة: «القرطبي نقل الإجماع على أنّ الأرض ثابتة لا تدور»

الجواب المختصر

نقلُ الإجماع هنا لا يستقيم؛ قال الشيخ خالد المصلح إنّه «إجماع غير صحيح؛ لأنه لا يستند إلى نص»، وإنما هو حكايةٌ لما بلغته علوم الناس في ذلك العصر.

صيغة الشبهة: يُقال: نقل الإمام القرطبي إجماع أهل العلم على سكون الأرض وثباتها، ومخالفة الإجماع لا تجوز؛ فالقول بدورانها خرقٌ لإجماعٍ منقول.

أولًا: مناقشة ثبوت الإجماع نفسه

قبل الاحتجاج بالإجماع يجب تحقيق انعقاده. وقد نصّ الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح على
أنّ هذا النقل لا يقوم به إجماع، فقال:

«وهذا إن استقام أنه نقلٌ للإجماع فإنه إجماع غير صحيح؛ لأنه لا يستند إلى نص، وإنما حكى
القرطبي رحمه الله ما وصلت إليه علومُ الناس ومعارفُهم في ذلك الوقت»

وهذا التحرير يهدم الاستدلال من جهتين معًا.

ثانيًا: الإجماع لا بدّ له من مستندٍ شرعي

المقرَّر في أصول الفقه أنّ الإجماع كاشفٌ عن دليل، لا منشئٌ له. فإذا لم يُعلم للمسألة مستندٌ من
كتابٍ أو سنة، فما نُقل ليس إجماعًا اصطلاحيًّا، وإنما هو إخبارٌ عن حال المعرفة السائدة.

ثالثًا: المسائل التجريبية ليست محلًّا لانعقاد الإجماع

الإجماع إنما ينعقد فيما هو محلُّ تكليفٍ وحكمٍ شرعي. أما هيئة الأجرام وحركاتها فمسائل
خبرية تجريبية، مردّها إلى الرصد والقياس. ولو كان اتفاق أهل عصرٍ على ما بلغهم
حجّةً قاطعةً على من بعدهم، لانسدّ باب العلم كلُّه: فقد كان الناس يتّفقون على أمورٍ في الطب والفلك
كشف اللاحقُ خطأها، ولم يعدّ أحدٌ ذلك خرقًا للدين.

رابعًا: نقل الاتفاق في الكونيات معارَضٌ بنقلٍ آخر

ثم إنّ حكاية الاتفاق على التسطيح معارَضةٌ بما نقله جماعةٌ من أهل العلم من اتفاقٍ على
الاستدارة. وتعارض النقلين يُسقط الاحتجاج بأحدهما مجرَّدًا، ويردّ المسألة إلى دليلها.

الخلاصة

لا إجماع في المسألة، والموجود حكايةُ حالٍ معرفية لعصرٍ مضى. والاحتجاج بها اليوم تحويلٌ لخبرٍ
تاريخي إلى حجّةٍ شرعية ملزِمة، وهذا ما لا يقوله محقّق.

المصادر