شبهة: «القرآن يصف الأرض بالبساط والمدّ، فهي إذن مسطّحة»

الجواب المختصر

البسطُ والمدُّ وصفٌ لصلاحية الأرض للسكنى لا لهيئتها الهندسية؛ وقد نصّ ابن عطية على أنّ ظاهر «بِساطاً» يحتمل البسط والكروية معًا، وأنّ اعتقاد أيّهما غير قادح.

صيغة الشبهة: يُقال: قال الله تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾، وقال ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾؛ والبسطُ والمدُّ ضدُّ الاستدارة، فظاهر القرآن أن الأرض مسطّحة، والقول بكرويتها ردٌّ لظاهر النص.

تحرير محل النزاع

الشبهة تفترض مقدّمةً لم تُبرهَن: أنّ «البسط» و«المدّ» يناقضان الاستدارة. وهذه المقدّمة هي موضع
الخلل، لا الآيات. فالكرةُ إذا عظُم قطرها بدا سطحُها لساكنه مبسوطًا ممدودًا، ولا تناقض بين
كِبَر الاستدارة وظهور الانبساط — بل هذا نفسه ما نشاهده على الأرض كل يوم.

أولًا: دلالة اللفظ في لسان العرب

البسطُ في كلام العرب: التمهيد والتوطئة للانتفاع، ومنه «بساط» لما يُفرش فيُنتفع به. والمدّ:
الامتداد والاتساع. وكلاهما وصفٌ لِما يجده الساكن ويستعمله، لا تقريرٌ لهندسة الجرم. ولذلك جاءت
الآيات كلُّها في سياق الامتنان: التمهيد للسكنى، والقرار، والسلوك في الفجاج —
لا في سياق تعليم علم الهيئة.

ثانيًا: تصريح المفسّرين بأن اللفظ يحتمل الأمرين

وهذا ليس استنباطًا محدَثًا. قال ابن عطية الأندلسي في تفسير «بِساطاً»:

«يقتضي ظاهره أنّ الأرض بسيطة كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في نفسه»

المحرر الوجيز، ٥/٣٧٥.

فالرجل — وهو من أئمة التفسير المتقدّمين — يقرّر أمرين معًا: أنّ اللفظ يسع القولين، وأنّ اعتقاد
أيّهما لا يقدح في دين المرء. فمن جعل الكروية مصادمةً لظاهر القرآن فقد ادّعى ما لم يدّعِه
المفسّرون أنفسهم.

ثالثًا: سياق الخطاب سياق امتنانٍ لا سياق وصفٍ هندسي

ومما يوضّح المقصد قول ابن تيمية في تأمّل هيئة هذا العالم:

«وجدتَه كالبيت المبنيِّ المُعَدِّ فيه جميعُ ما يحتاج إليه ساكنُه»

بيان تلبيس الجهمية، ١/٥٠٦.

فالنظر المقصود شرعًا هو نظر الاعتبار والانتفاع: بيتٌ هُيِّئ لساكنه. والبيتُ
يوصف بأنّه مفروشٌ ممهَّد وإن كان قائمًا على كرة عظيمة.

الخلاصة

لا يوجد في القرآن نصٌّ ينفي الاستدارة، ولا نصٌّ يوجب التسطيح. والذي في القرآن وصفُ الأرض بما
هي عليه في حسّ ساكنها ومنفعته، وهو حقٌّ على الوجهين. فمن ألزم الدينَ بالتسطيح فقد حمّله ما لا
يلزمه، وأقحمه في معركةٍ ليست معركته.

المصادر
١

المحرر الوجيز

ابن عطية الاندلسي ج5 ص375

وقوله تعالى: بِساطاً يقتضي ظاهره أن الأرض بسيطة كروية واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في نفسه اللهم إلا أن يتركب على القول بالكروية نظر فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله تعالى كو…