صيغة الشبهة: يرى بعض المتحمّسين أنّ القول بتسطيح الأرض نصرةٌ لظاهر الوحي في وجه العلم الحديث، وأنّ ردّه تنازلٌ وهزيمةٌ نفسية أمام الغرب.
موضع الخطر
الخطر ليس في الخطأ العلمي وحده، بل في الربط: حين يُقال للشاب إنّ إسلامه
موقوفٌ على تصديق أنّ الأرض مسطّحة، فقد عُقد صدقُ الوحي بعقدةٍ يفكّها أوّلُ درسٍ في الفيزياء أو
أوّلُ صورةٍ من قمر صناعي. فإذا انكشف له خطأ المقدّمة، خشي أن ينهار عنده ما بُني عليها. وهذا هو
عين ما حذّر منه المحقّقون: تحميلُ الدين ما لا يلزمه.
الدين بريءٌ من هذا الإلزام
وقد صدرت في تفنيد هذه الشبهة فتاوى من جهاتٍ معتبرة — منها فتوى إسلام ويب في «تفنيد شبهة تسطيح
الأرض» — تبيّن أنّ المسألة ليست من مسائل الاعتقاد التي يُوالى ويُعادى عليها، وأنّ النصوص لا توجب
القول بالتسطيح. وقد سبق نقلُ تصريح ابن عطية بأنّ اعتقاد أيّ الأمرين غير قادحٍ في نفسه.
الباعث النفسيّ وراء التمسّك
كثيرٌ من التمسّك بهذا القول ليس مبناه دليلًا، وإنما هو ردُّ فعلٍ على شعورٍ
بالهزيمة الحضارية: فيُتخذ إنكارُ ما يقوله «هم» علامةً على التميّز والثبات. وهذا معيارٌ فاسد؛ إذ
يجعل الحقّ تابعًا لقائله لا لدليله. والمسلم يزن القول بميزانه، ولا يردّه لأنّ خصمه قاله، ولا
يقبله لذلك.
ثمرةٌ عكسية
ثم إنّ هذه الدعوى تُنتج ضدّ مقصودها تمامًا: فبدل أن تُظهر قوّة الوحي، تُقدّم للناس صورةً عن
المتديّن بأنه معاندٌ للمحسوس. وما أُريد به نصرةُ الدين صار مادّةً للطعن فيه.
الخلاصة
نصرةُ الوحي تكون بالبرهان لا بالمكابرة. وأصدقُ ما يُنصر به الدين أن يُبيَّن أنه لا يعارض
حقيقةً ثابتة أصلًا — وهذا هو منهج هذه المنصّة.