الجواب المختصر: لا؛ بل نقل غيرُ واحد من الأئمة الإجماعَ على كروية الأرض.
هذه أول حقيقة ينبغي أن يعرفها المسلم: القول بكروية الأرض ليس «علمًا غربيًا حديثًا» دخل على المسلمين، بل هو ما قرّره أئمة الإسلام قبل قرون من رحلات الفضاء، ونقلوا الاتفاق عليه. قال الإمام ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) رحمه الله:
إِن أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين الْمُسْتَحقّين لاسم الْإِمَامَة بِالْعلمِ رَضِي الله عَنْهُم لم ينكروا تكوير الأَرْض وَلَا يحفظ لأحد مِنْهُم فِي دَفعه كلمة بل الْبَرَاهِين من الْقُرْآن وَالسّنة قد جَاءَت بتكويرها
— إبن حزم الأندلسي — الفصل في الملل والأهواء والنحل — ج2 ص78
ونقل الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ) نفي الخلاف في المسألة فقال:
لا اخْتِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السَّمَاءَ عَلَى مِثْلِ الْكُرَةِ فَإِنَّهَا تَدُورُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ كَدَوْرِ الْكُرَةِ عَلَى قُطْبَيْنِ ثَابِتَيْنِ غَيْرِ مُتَحَرِّكَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ وَالآخَرُ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ. وَكُرَةُ الأَرْضِ مَبْنِيَّةٌ فِي وَسَطِ كُرَةِ السَّمَاءِ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الدَّائِرَةِ
— ابن الجوزي — التبصرة لابن الجوزي — ج2 ص164
وقرّر شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) الإجماع في أكثر من موضع من مجموع الفتاوى، فقال:
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ حَرَكَاتِهَا مِنْ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِثْلُ الْكُرَةِ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لَا يُوجَدُ طُلُوعُهَا وَغُرُوبُهَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي نَوَاحِي الْأَرْضِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ عَلَى الْمَشْرِقِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ قَالَ: فَكُرَةُ الْأَرْضِ مُثَبَّتَةٌ فِي وَسَطِ كَرَّةِ السَّمَاءِ كَالنُّقْطَةِ فِي الدَّائِرَةِ.…
— ابن تيمية — مجموع الفتاوى — ج25 ص195
وقال أيضًا:
اعْلَمْ أَنَّ ” الْأَرْضَ ” قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ وَهِيَ فِي الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِأَكْثَرِهَا؛ إذْ الْيَابِسُ السُّدُسُ وَزِيَادَةٌ بِقَلِيلِ وَالْمَاءُ أَيْضًا مُقَبَّبٌ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلْأَرْضِ
— ابن تيمية — مجموع الفتاوى — ج5 ص150
وقال سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) واصفًا الأرض وصفًا يذكر فيه استدارتها وجذبها من جميع الجوانب:
لا خلافَ أن الأرض على هيئة الكرة، وهي موضوعة في جوف الفلك كالمُحَّة في البيضة، والنسيمُ محيط بها كالبياض من المُحَّة، وهو جاذبٌ لها من جميع جوانبها، والأرضُ جاذبةٌ لما في الأبدان من الثقل، بمنزلة المغناطيس الذي يجذب الحديد، والفَلَك محيط بالنسيم كإحاطة القشرِ بالبياض، وهي مقسومة بنصفين، وبينهما خطُّ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهو طول الأرض، وأما عرضها: فمن القطب الشمالي الذي يدور حوله بنات نعش، إلى القطب الجنوبي
— شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) — مرآة الزمان في تواريخ الاعيان — ج1 ص46
وفي العصر الحاضر قرّر العلامة ابن باز رحمه الله أن كروية الأرض هي قول أهل العلم المحكيّ عليه الإجماع، وقال الشيخ صالح الفوزان: «أجمع العلماء على كروية الأرض كما نُقل عن ابن المنادي». فمن نسب إلى علماء الإسلام القول بالتسطيح فقد قال عليهم ما لم يقولوا.